حسن ابراهيم حسن

533

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وأهل الهزل والبطالة غير أنه لم يكن في هذه الطبقة الثالثة خسيس الأصل ولا وضيعه ، ولا ناقص الجوارح ولا فاحش الطول أو القصر ، ولا مؤوف ( مصاب بآفة ) ولا مرمى بأبنة ( عيب ) ، ولا مجهول الأبوين ، ولا ابن صناعة دنيئة كابن حائك أو حجام ، ولو كان يعلم الغيب مثلا . وكان الذي يقابل الطبقة الأولى من الأساورة وأبناء الملوك أهل الحذاقة بالموسيقات والأغانى ، فكانوا بإزاء هؤلاء نصب خط الاستواء . ويقابل الطبقة الثانية من ندماء الملك وبطانته الطبقة الثانية من أصحاب الموسيقيات . ويقابل الطبقة الثانية من أصحاب الفكاهات والمضحكين ، وأصحاب الونج والمعازف والطنابير . وكان لا يرمز الحاذق من الزامرين إلا على الحاذق من المغنين ، وإن أمره بذلك ، راجعه واحتج عليه « 1 » . وكان الخلفاء الأول يستمعون في أوقات فراعهم لقصائد الشعراء . ولم يلبث الغناء أن حل محل الشعر . فكان معاوية ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن محمد لا يظهرون للندماء ، بل كان بينهم حجاب ، حتى لا يطلع الندماء على ما يفعله الخليفة إذا طرب . فقد تأخذ نشوة الطرب بلبه فيقوم بحركات لا يطلع عليها إلا خواص جواريه . وإذا ارتفع من خلف الستارة صوت أو حركة غريبة صاح صاحب الستارة : « حسبك يا جارية ! كفى ! انتهى ! أقصرى ! » ، موهما الندماء أن الفاعل لتلك الحركات هو بعض الجواري . وكان بعض خلفاء بنى أمية يظهرون للندماء والمغنين ، ولا يحفلون بإتيان حركات تثيرها نشوة الطرب في نفوسهم « 2 » . وكان يزيد بن عبد الملك يبالغ في المجون بحضرة الندماء ، كما سوى بين الطبقة العليا والسفلى ، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل في مجلسه ، فلم يتورعوا في الرد عليه . وحذا حذوه في ذلك الوليد بن يزيد « 3 » .

--> ( 1 ) الجاحظ : التاج في أخلاق الملوك مر ص 25 - 26 : انظر أيضا المسعودي : مروج الذهب ج 1 ص 151 . وما يليها . ( 2 ) الجاحظ : التاج في أخلاق الملوك ص 32 . ( 3 ) الجاحظ : كتاب التاج ص 31 - 32 .